ابن كثير
305
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير )
هؤلاء القوم يعني المشركين يقولون والله لئن حملوا علينا لننكشفن فيحدث المسلمون بعضهم بعضا بذلك فتقوى أنفسهم حكاه ابن جرير وهذا لفظه بحروفه وقوله " سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب " أي ثبتوا أنتم المؤمنين وقووا أنفسهم على أعدائهم عن أمري لكم بذلك سألقي الرعب والذلة والصغار على من خالف أمري وكذب رسولي " فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان " أي اضربوا الهام ففلقوها واحتزوا الرقاب فقطعوها وقطعوا الأطراف منهم وهي أيديهم وأرجلهم وقد اختلف المفسرون في معنى " فوق الأعناق " فقيل معناه اضربوا الرؤوس قاله عكرمة وقيل معناه أي على الأعناق وهي الرقاب قاله الضحاك وعطية العوفي ويشهد لهذا المعنى أن الله تعالى أرشد المؤمنين إلى هذا في قوله تعالى " فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق " وقال وكيع عن المسعودي عن القاسم قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم " إني لم أبعث لأعذب بعذاب الله إنما بعثت لضرب الرقاب وشد الوثاق " واختار ابن جرير أنها قد تدل على ضرب الرقاب وفلق الهام قلت وفي مغازي الأموي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يمر بين القتلى يوم بدر فيقول " يفلق هاما " فيقول أبو بكر : من رجال أعزة علينا * وهم كانوا أعق وأظلما فيبتدئ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأول البيت ويستطعم أبا بكر رضي الله عنه إنشاد آخره لأنه كان لا يحسن إنشاد الشعر كما قال تعالى " وما علمناه الشعر وما ينبغي له " وقال الربيع بن أنس : كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوهم بضرب فوق الأعناق وعلى البنان مثل سمة النار قد أحرق به وقوله " واضربوا منهم كل بنان " قال ابن جرير معناه واضربوا من عدوكم أيها المؤمنون كل طرف ومفصل من أطراف أيديهم وأرجلهم والبنان جمع بنانة كما قال الشاعر : ألا ليتني قطعت مني بنانة * ولاقيته في البيت يقظان حاذرا وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس " واضربوا منهم كل بنان " يعني بالبنان الأطراف وكذا قال الضحاك وابن جرير وقال السدي البنان الأطراف ويقال كل مفصل وقال عكرمة وعطية العوفي والضحاك في رواية أخرى كل مفصل وقال الأوزاعي في قوله تعالى " واضربوا منهم كل بنان " قال اضرب منه الوجه والعين وارمه بشهاب من نار فإذا أخذته حرم ذلك كله عليك وقال العوفي عن ابن عباس فذكر قصة بدر إلى أن قال : فقال أبو جهل لا تقتلوهم قتلا ولكن خذوهم أخذا حتى تعرفوهم الذي صنعوا من طعنهم في دينكم ورغبتهم عن اللات والعزى فأوحى الله إلى الملائكة " أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان " الآية . فقتل أبو جهل لعنه الله في تسعة وستين رجلا وأسر عقبة بن أبي معيط فقتل صبرا فوفى ذلك سبعين يعني قتيلا ولهذا قال تعالى " ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله " أي خالفوهما فساروا في شق وتركوا الشرع والايمان به واتباعه في شق ومأخوذ أيضا من شق العصا وهو جعلها فرقتين " ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب " أي هو الطالب الغالب لمن خالفه وناوأه لا يفوته شئ ولا يقوم لغضبه شئ تبارك وتعالى لا إله غيره ولا رب سواه " ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار " هذا خطاب للكفار أي ذوقوا هذا العذاب والنكال في الدنيا واعلموا أيضا أن للكافرين عذاب النار في الآخرة . يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الادبار ( 15 ) ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ( 16 ) يقول تعالى متوعدا على الفرار من الزحف بالنار لمن فعل ذلك " يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا " أي تقاربتم منهم ودنوتم إليهم " فلا تولوهم الادبار " أي تفروا وتتركوا أصحابكم ( ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا